مركز تفكير للأبحاث والدراسات

مجلة علمية دولية محكمة ربع سنوية تصدر عن مركز تفكير للأبحاث والدراسات

مركز تفكير للأبحاث والدراسات

collapse
الرئيسية / قائمة المقالات / تساؤلات حول إمكانية ترتيب المسؤولية الإدارية عن إحالة رئيس مجلس النواب؟

تساؤلات حول إمكانية ترتيب المسؤولية الإدارية عن إحالة رئيس مجلس النواب؟

أغسطس 12, 2026  zakaria ouzm  1,412 views

 

whatsapp-image-2026-08-12-at-152659-1.jpeg

هشام العقراوي استاد باحث كلية العلوم القانونية والسياسية بني ملال جامعة السلطان مولاي سليمان

هل يمكن ترتيب مسؤولية إدارية عن إحالة رئيس مجلس النواب؟ يطرح هذا السؤال مقاربة غير تقليدية من خلال طرح سؤال: هل يمكن أن يتحول استعمال رئيس مجلس النواب لاختصاصه الدستوري في إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية إلى مصدر لامكانية ترتيب المسؤولية الادارية إذا شابه خطأ وأدى إلى ضرر؟
فالفصل 132 من الدستور يجعل رئيس مجلس النواب من الجهات التي يجوز لها إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، كما أن المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية رقم 066.13 تنظم الإحالة وتحدد شكلها. 
ولكن يطرح تساؤل هل يمكن إثارة المسؤولية الإدارية لرئيس مجلس النواب عن الخطأ في إحالة قانون إلى المراقبة الدستورية؟

نظرا لان المسؤولية الإدارية في الدولة الحديثة لم تعد مرتبطة فقط بالأخطاء التقليدية التي ترتكبها الإدارة في مجال تسيير المرافق العامة، وإنما أصبحت تطرح أسئلة جديدة تتعلق بمسؤولية الأشخاص والهيئات التي تمارس اختصاصات ذات طبيعة دستورية، خاصة عندما يكون استعمال هذه الاختصاصات قابلاً لإحداث آثار قانونية أو أضرار بالنسبة للأفراد أو المؤسسات.
ومن بين القضايا التي يمكن مقاربتها في هذا السياق إمكانية مساءلة رئيس مجلس النواب عن الخطأ الذي ارتكب خلال إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في النظام الدستوري المغربي، ذلك أن الفصل 132 من دستور 2011 يخول لرئيس مجلس النواب، إلى جانب الملك ورئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين وخُمس أعضاء مجلس النواب وأربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين، إمكانية إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، قصد البت في مدى مطابقتها للدستور.
كما أن القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية حدد في مادته 23 كيفية ممارسة هذا الاختصاص، حيث تكون إحالة القوانين برسالة من الجهة الدستورية المختصة.
غير أن الاعتراف بهذا الاختصاص يثير سؤالاً أكثر عمقاً:
إذا ارتكب رئيس مجلس النواب خطأً في ممارسة اختصاصه المتعلق بالإحالة إلى المحكمة الدستورية، وترتب عن هذا الخطأ ضرر، فهل يمكن تأسيس مسؤولية إدارية عنه؟
والسؤال هنا لا يتعلق بالمسؤولية السياسية لرئيس مجلس النواب، ولا بالمسؤولية الدستورية، وإنما بإمكانية إخضاع ممارسة هذا الاختصاص لنظرية المسؤولية الإدارية القائمة على الخطأ.
وثم يمكن صياغة الإشكالية على النحو الآتي: إلى أي حد يمكن إخضاع ممارسة رئيس مجلس النواب لاختصاص الإحالة إلى المحكمة الدستورية لقواعد المسؤولية الإدارية، وما حدود التمييز بين الخطأ الإداري والخطأ المرتبط بممارسة الاختصاص الدستوري؟
أولاً: الاختصاص الدستوري لرئيس مجلس النواب في الإحالة لا يعني حصانة مطلقة من المسؤولية
ينبغي الانطلاق من فكرة أساسية مفادها أن كون الاختصاص دستورياً لا يعني بالضرورة أن كل الأفعال المرتبطة بممارسته تتمتع بحصانة مطلقة من كل أشكال الرقابة والمسؤولية.
فالفصل 132 لا يجعل رئيس مجلس النواب الجهة الوحيدة التي يمكنها تحريك الرقابة السابقة على دستورية القوانين، وإنما يضعه ضمن مجموعة من الجهات المخولة دستورياً بذلك.
ويكشف هذا المعطى عن طبيعة خاصة لهذا الاختصاص؛ فهو من جهة اختصاص تقديري، لأن الفصل 132 يستعمل عبارة "يمكن"، بما يفيد أن الإحالة ليست واجباً دستورياً عاماً في جميع الحالات.
ومن جهة أخرى، فإن ممارسة الاختصاص ليست مطلقة، وإنما يجب أن تتم داخل الإطار الذي رسمه الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين أمرين:
القرار المتعلق بتقدير مدى ملاءمة الإحالة؛
والخطأ القانوني أو الإجرائي في ممارسة الإحالة.
فالاختيار السياسي أو الدستوري بعدم إحالة قانون معين إلى المحكمة الدستورية لا يمكن بسهولة وصفه بأنه خطأ إداري، ما دام الدستور قد منح رئيس المجلس سلطة تقديرية في الإحالة.
أما إذا تعلق الأمر بإخلال موضوعي أو إجرائي بقواعد ممارسة الاختصاص، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً، وقد تفتح الباب للبحث في المسؤولية.
ثانياً: متى يمكن أن يتحول الخطأ في الإحالة إلى خطأ موجب للمسؤولية؟
ليس كل خطأ في ممارسة الاختصاص الدستوري خطأً موجباً للتعويض.
فالمسؤولية الإدارية، في صورتها التقليدية، تقتضي اجتماع ثلاثة عناصر أساسية:
الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية.
وعليه، فإن مجرد القول بأن رئيس مجلس النواب أخطأ في إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية لا يكفي وحده لترتيب المسؤولية.
1. الخطأ
يمكن تصور الخطأ في عدة صور.
فقد يتعلق الأمر بإحالة قانون خارج الأجل أو بالمخالفة للشروط والإجراءات القانونية المحددة للإحالة، أو بإسناد الإحالة إلى قانون لا يدخل ضمن نطاق المراقبة السابقة، أو بإجراء يتعارض بصورة واضحة مع المقتضيات الدستورية والتنظيمية المنظمة للاختصاص.
وهنا ينبغي التمييز بين خطأ التقدير وخطأ مخالفة القانون.
فخطأ التقدير في اختيار الإحالة أو عدمها يظل، في الأصل، داخلاً في السلطة التقديرية التي منحها الدستور لرئيس مجلس النواب.
أما مخالفة قاعدة دستورية أو قانونية آمرة تنظم ممارسة الاختصاص فقد تشكل، من حيث المبدأ، خطأً قانونياً قابلاً للتقييم من منظور المسؤولية.
2. الضرر
حتى مع افتراض وجود خطأ، لا تقوم المسؤولية بمجرد ثبوت المخالفة.
فلا بد من إثبات ضرر حقيقي ومباشر وقابل للتعويض.
وقد يكون الضرر مادياً، كما قد يكون في بعض الحالات ضرراً قانونياً أو مؤسسياً، غير أن الانتقال من مجرد المساس بالمصلحة العامة أو بالنظام الدستوري إلى الضرر القابل للتعويض أمام القضاء الإداري يظل مسألة دقيقة للغاية.
وهنا تكمن إحدى أكبر الصعوبات في بناء المسؤولية المفترضة.
3. العلاقة السببية
يجب كذلك إثبات أن الضرر كان نتيجة مباشرة للخطأ المنسوب إلى رئيس مجلس النواب.
وهذه المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما تكون الإحالة قد أدت إلى تدخل المحكمة الدستورية، لأن قرار المحكمة ذاته يشكل حلقة مستقلة في المسار القانوني.
فإذا أحيل القانون إلى المحكمة الدستورية وقضت بعدم دستورية بعض مقتضياته، فإن السؤال يصبح:
هل الضرر ناتج عن فعل الإحالة؟
أم عن عدم دستورية المقتضيات التي أقرها المشرع؟
أم عن القرار الصادر عن المحكمة الدستورية؟
وهذا يجعل إثبات العلاقة السببية أمراً بالغ الصعوبة.
ثالثاً: الإحالة إلى المحكمة الدستورية ليست قراراً إدارياً بالمعنى التقليدي
هنا تظهر أهم عقبة أمام تأسيس المسؤولية الإدارية.
فرئيس مجلس النواب لا يمارس، عند إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية، وظيفة إدارية بالمعنى التقليدي، وإنما يمارس اختصاصاً دستورياً مرتبطاً بالوظيفة البرلمانية.
ومن ثم، فإن محاولة إخضاع هذا الفعل مباشرة لنظرية المسؤولية الإدارية قد تصطدم بالطبيعة الدستورية للفعل.
فمجلس النواب مؤسسة دستورية، ورئيسه يمارس مجموعة من الاختصاصات التي لا يمكن اختزالها في الأعمال الإدارية.
ولهذا يجب التمييز بين:
الأعمال البرلمانية ذات الطبيعة السياسية أو التشريعية؛
والأعمال الإدارية التي يقوم بها الجهاز البرلماني في مجال التسيير والتنظيم.
والسؤال الجوهري: أين نضع فعل الإحالة إلى المحكمة الدستورية؟
الأقرب أنه يقع في منطقة وسطى؛ فهو ليس عملاً تشريعياً بالمعنى الضيق، لأنه لا يتضمن سن قاعدة قانونية، ولكنه في الوقت ذاته ليس عملاً إدارياً محضاً، لأنه يستند مباشرة إلى الفصل 132 من الدستور ويرتبط بممارسة وظيفة دستورية.
ومن هنا تبرز فكرة الأعمال البرلمانية ذات الطبيعة الدستورية، وهي أفعال يصعب إخضاعها بصورة آلية لنظام المسؤولية الإدارية.
رابعاً: الخطأ في الإحالة والخطأ في عدم الإحالة
تزداد المسألة تعقيداً إذا طرحنا السؤال: هل يمكن أن تقوم مسؤولية رئيس مجلس النواب ليس فقط عن الإحالة الخاطئة، وإنما أيضاً عن عدم إحالة قانون كان ينبغي إحالة دستوريته إلى المحكمة؟
في تقديري، يجب الإجابة بحذر.
فالعبارة الدستورية "يمكن" الواردة في الفصل 132 تمنح الجهات المخولة بالإحالة سلطة تقديرية، وبالتالي لا يمكن اعتبار عدم استعمال هذه الإمكانية خطأً في ذاته.
ولا يمكن للقاضي أن يحول السلطة التقديرية التي منحها الدستور لرئيس مجلس النواب إلى اختصاص مقيد بواجب إحالة كل قانون يثار حول دستوريته.
وإلا أصبح القضاء هو الذي يحدد مسبقاً متى يجب على رئيس المجلس استعمال اختصاص دستوري جعله المشرع الدستوري اختيارياً.
غير أن ذلك لا يعني أن السلطة التقديرية تعني التحصين المطلق من كل رقابة.
فإذا ثبت أن عدم الإحالة كان نتيجة تعسف واضح، أو انحراف في استعمال الاختصاص، أو إخلال بقاعدة دستورية آمرة، فإن النقاش حول المسؤولية يصبح أكثر جدية، وإن كان الانتقال من ذلك إلى مسؤولية تعويضية يظل مشروطاً بإثبات الضرر والعلاقة السببية.
خامساً: هل يمكن مساءلة رئيس المجلس شخصياً أم المؤسسة؟
هذه النقطة أساسية.
فحتى بافتراض قيام خطأ، لا ينبغي الانتقال مباشرة إلى مساءلة رئيس مجلس النواب شخصياً.
فالمنطق الحديث للمسؤولية الإدارية يميز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي.
وإذا كان الفعل قد تم في إطار ممارسة اختصاص مؤسساتي لرئيس مجلس النواب، فإن التساؤل الطبيعي سيكون:
هل الخطأ شخصي منسوب إلى رئيس المجلس؟
أم أنه خطأ مرتبط بممارسة اختصاص المؤسسة البرلمانية؟
وهذا التمييز قد يؤدي إلى نتيجة مهمة: حتى إذا افترضنا وجود مسؤولية، فإنها قد تكون مسؤولية المؤسسة أو الجهاز الإداري المختص، وليس بالضرورة مسؤولية شخصية لرئيس مجلس النواب.
ولا سيما أن المسؤولية الشخصية لمسؤول سياسي عن ممارسة اختصاص دستوري قد تؤدي إلى نتيجة خطيرة تتمثل في إحجام المسؤولين عن ممارسة اختصاصاتهم خشية ترتيب آثار مالية أو شخصية عليهم.
وهذا يتعارض مع ضرورة حماية استقلال المؤسسات الدستورية وفعالية أدائها.
سادساً: نحو نظرية خاصة للمسؤولية عن ممارسة الاختصاصات الدستورية
لعل الحل الأكثر انسجاماً مع طبيعة الدولة الدستورية الحديثة لا يتمثل في الاختيار بين "المسؤولية" و"عدم المسؤولية"، وإنما في بناء منطقة وسطى تقوم على التمييز بين المساءلة عن الوظيفة الدستورية والمساءلة عن الأخطاء الإدارية المصاحبة لها.
فلا ينبغي أن تكون ممارسة الاختصاص الدستوري محصنة بصورة مطلقة، لأن ذلك قد يؤدي إلى تحويل الاختصاص إلى مجال خارج كل أشكال المسؤولية.
وفي المقابل، لا ينبغي إخضاع كل ممارسة لاختصاص دستوري لقواعد المسؤولية الإدارية التقليدية، لأن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف استقلال المؤسسات الدستورية.
والحل يتمثل في البحث عن طبيعة الفعل محل النزاع:
إذا كان الفعل جزءاً جوهرياً من الوظيفة الدستورية، فإن الأصل هو إخراجه من نطاق المسؤولية الإدارية التقليدية.
أما إذا تعلق الأمر بجانب إداري أو مادي أو إجرائي منفصل عن جوهر الاختصاص الدستوري، فإن إمكانية قيام المسؤولية الإدارية تصبح أكثر قبولاً.
وصفوة القول فإن المسؤولية ممكنة نظرياً، لكنها ليست سهلة التأسيس عملياً
ويمكن القول، وفق مقاربة قانونية، إن إثارة المسؤولية الإدارية لرئيس مجلس النواب عن الخطأ في إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية ليست مستحيلة من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بعوائق دستورية ومؤسساتية وقضائية قوية.
فالاختصاص المنصوص عليه في الفصل 132 هو اختصاص دستوري، وممارسته لا يمكن معاملتها كعمل إداري عادي. كما أن اختيار الإحالة أو عدمها يدخل، من حيث الأصل، ضمن السلطة التقديرية التي منحها الدستور لرئيس مجلس النواب.
لكن ذلك لا يعني أن كل خطأ يقع بمناسبة ممارسة هذا الاختصاص يصبح محصناً من كل مساءلة.
فالتمييز ضروري بين حرية التقدير الدستوري وبين مخالفة القانون، وبين الخطأ في تقدير ملاءمة الإحالة وبين الخطأ القانوني أو الإجرائي في تنفيذها، وبين المسؤولية الشخصية لرئيس المجلس وبين مسؤولية المؤسسة عن أعمالها الإدارية.
فدولة القانون لا تعني فقط خضوع الإدارة للقانون، وإنما تعني أيضاً أن كل سلطة تمارس اختصاصاً عاماً يجب أن تمارس ذلك الاختصاص داخل حدود الدستور والقانون.
غير أن الجزاء على مخالفة هذه الحدود لا يجب أن يكون بالضرورة تعويضاً إدارياً؛ فقد يكون جزاءً دستورياً أو سياسياً أو مؤسساتياً، بحسب طبيعة الفعل وموقعه في البناء الدستوري.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy